الخميس، سبتمبر 13، 2007

تركيا تغزو العالم بالمخللات



بقلم: عماد رجب*

لا تزال التجربة التركية تلقي بظلالها علي عالمنا العربي , فتكشف زيف نمونا الملحوظ , و ديمقراطينا المزعومة , لتؤكد للجميع أن القول شئ والواقع شئ آخر , غير مكتفية بتجربتها السياسية الناجحة , غير مكترثة بفشل الآخرين , مقدمة نماذج لنجاحاتها المتعددة , والمختلفة .

وبعد أن تقدمت تركيا في مجالات عدة كالسيارات والزجاج والملابس تأتى مدينة صغيرة بالقرب من أنقرة , لثبتت أن التقدم لا يتطلب نظريات اقتصادية جهنمية , أو تمويل ضخم , أو عقول فذة , و إنما يحتاج إرادة و إخلاص كفيلة بإحراز تقدم ملموس في وقت قياسي , بعيدة عن المأكولات التركية المشهورة والمعروفة مقدمة وصفة اقتصادية مبهرة عن طريق المخللات.

تابعت تقرير قناة الجزيرة عن هذه المدينة الصغيرة فتملكتني الحسرة علي صناعاتنا الجميلة التي لا تجد من يرعاها , ففي كل دولة عربية صناعات وصناعات كفيلة بتقليل الفجوة بين الاستيراد والتصدير بصورة كبيرة لو اهتمت بها الأنظمة العربية .

يقول التقرير أن الأتراك حولوا صناعة منزلية بسيطة إلى صناعة تصديرية رائجة في مختلف أنحاء العالم , تدر دخلا هائلا من العملة الصعبة , يعمل بها نصف مليون عامل حاليا , وكانت تلك الصناعة الصغيرة سببا في افتتاح العديد من الصناعات المغذية, مثل المطابع ومصانع العبوات والمزارع وشركات النقل ومصانع الخل , والتي بدورها فتحت أبواب رزق لعشرات الآلاف من المواطنين البسطاء , و استطاعت ان تصدر في العام الفائت وحده ما قيمته مائة مليون دولار , بالإضافة إلى ما تم بيعة داخل تركيا والذي تخطي هذا الرقم أضعافا مضاعفة , حتى أصبحت مدينة المخللات الأشهر في أوروبا والعالم , ونقلت المدينة من فقر مدقع إلى مدينة المخللات السياحية بكرنفالاتها المتميزة , حولت معها التفاح والكمثري إلى مخللات مطلوبة عالميا , وتفنن البائعون في عرض السلع بطريقة تجعلك مرغما علي الشراء , فضلا عن شرح واف لفوائدها مدرب عليه البائع ببراعة , فهذه تساعد علي الهضم , وتلك لها عامل واضح في تطهير المعدة , ناهيك عن المنظر الجمالي للعرض الذي يكون في بعضها هرميا وفي الآخر دوائر ملونه.

ونظرت إلى دمشق بما لها من شهرة في صناعة الحلويات , ومصر في الآكلات الحريفة , والأقصر في صناعة الفخاريات و الانتيكات , والمغرب بزيها الأنيق , والسعودية بعطورها و اسلامياتها الرائعة , فلم استطع المقارنة , فذهبت علي الفور إلى أحد أصحاب مصانع الفخار الكثيرة علي طول الطريق الزراعي , التي كنت أتمنى أن أصور عنها فيلما تسجيليا أقدمه لمن يهمه أمر الفنون البدائية , وعشاق الصناعات اليدوية متباهيا بصناعات بلدي , سألت الرجل : كيف يسوق إنتاجه فقال عن طريق الأسواق , فزدت بسذاجة ولم لم تفكر في التصدير فكان رد الرجل صدمة لي وكيف لي والحكومة تفرض علي كل يوم نوع جديد من الغرامات حتى أنني اكفي متطلبات آسرتي بالكاد , سألته لكنني وجدت بعض منتجاتك في أحد محلات الانتيكات مصبوغة ومزخرفة بحرفية عالية فأجاب يأتيني بعض طلاب كلية الفنون فيأخذونها خاما بلونها الطبيعي بعد الحرق , ويقومون بطلائها وتزينها وبيعها بعد ذلك ودلني الرجل مشكورا علي أحد هؤلاء الشباب وكانت شابة في التاسعة عشرة من عمرها , سألتها: بكم تبيعها فأجابتني بضعف السعر الذي تشتري به , ومن ثم يبيعها التاجر بعشرة أضعاف إلا أنها لا تستطيع بيع اكثر من واحدة أو اثنتين في الشهر , لضعف الإقبال عليها نظرا لارتفاع ثمنها , والذي يتحكم فيه صاحب البازار وحده, والذي يرغب عادة في كسب اكبر قدر ممكن ويظل الشاب عاطلا طول الشهر .

سألت الفتاة ماذا لو قدمت لكم الدولة الدعم ورعت مشروعكم الصغير فأجابت بالطبع سنعمل طول الشهر ونتفنن في إنتاج أعمال أروع من تلك التي نبيعها بكثير , وسيتغير الحال إلى الأفضل , ونكون جيلا من الفنانين المنتجين.

وسألت نفسي : حقا ...ماذا لو قامت الدولة برعاية هذه الفئة من الفنانين بالفطرة وتصدير منتجاتها الرائعة إلى دول العالم , و إقامة المعارض والكرنفالات الدعائية لها , كم شابا سيرحل من طابور العاطلين إلى طابور المنتجين , وكم سيعود علينا من وراءها وغيرها من المنتجات الكثيرة , التي تتميز بها بلداننا العربية , كالحلويات السورية , والكليم والسجاد والبخور والعطور والأنتيكات , لكن أل الإجابة لم تصلني وستظل حبيسة أدراج المسؤولين لأنهم بمنتهى البساطة لن يشغلوا أدمغتهم بمثل هذه الأفكار الصغيرة فالنظريات تقول عكس ما أقول لكن الواقع اصدق