عماد رجب
بدأ السائق الرحلة الى القاهرة , حيث مكان الأمسية التي كنت اقصدها , مستفتحا بكلام الله عز وجل , طالبا منا الدعاء كي تتم الرحلة على خير , تبسمت مؤيدا اياه , وما ان انتهيت من قراءة دعاء الركوب مع رفاق الرحلة , وبدأت اقرأ في احد الكتب التي احملها معي , حتى اخرج الرجل البوما لاحد المطربين , ظنا منه انه سيكون وسيلة تسلية ممتعة , طيلة الرحلة , وحقيقة كنت اظن ان بشرا مثلنا له يدان ورجلان وصوت سيغني , الا انني فوجئت بنوع اقل ما يمكن ان نصنفه بالرديء, والبهائمي.
وبالرغم من انني احب الفن الشعبي الذي يجسد الحياة الطبيعية للناس , يصف آلامهم وافراحهم بطريقة بسيطة غير معقدة , ممتلئة بالمعاني والتعبيرات الجميلة المذهلة , ويتكلم عن مشاكلنا الحياتية , ويدعو الى العودة لقيم الصداقة والوفاء والالفة , ونادرا ما نجده يتكلم عن الحب والهيام بصوره اليومية المتكررة , كما اعتدنا ان نسمع مؤخرا, فلا عدنا نفرق بين الاغنية والاخرى , ولا بين المطرب والآخر , وكثير مما انتج من الفن الشعبي في السبعينيات والثمانينيات كان به العديد من الامثلة الجيدة , التي تستحق الاشادة , الا انه في حالتي هذه يجب علي ان اذهب الى مقابر السيدة فور وصولي كي اقرأ الفاتحة لمن رحلوا من فرسان الطرب الشعبي , وكتابه.
فمطربنا الجديد صنع ما لم تصنعه ام كلثوم في زمانها , حيث جمع اكثر من سبع اغان للست وعبد الحليم وعبد الوهاب في اغنية واحدة باسلوب يدعو للحسرة والغيظ , ناهيك عن نهيقه الذى هو كفيل بأن يجعلك تطلب طبيب انف واذن وحنجرة ثم الذهاب الى مصحة للعلاج من ذلك التلوث السمعي الذى اصابك بكل تأكيد..
بدأ الاغنية بجزء من اغنية لسيدة الغناء العربي ام كلثوم هل رأى الحب سكارى, وكنت اظنها كما نعرفها , وسمعناها دائما , الا انني وجدت ان سكارى هنا هي سكرة بنت الست ام السيد , جارة المطرب الذى حرف الاغنية كي تناسبها ,حتى يجعل سيرتها على كل لسان , فتضطر امها ان تزوجها له غصبا عنها , ثم انتظر هنيهة كي يبدأ مجددا بيا فؤادي وكنت على يقين بأن الرجل سيبدأ في الغناء الحقيقي وان ما حدث كان مجرد مداعبة , من مقدمه او ما يطلقون عليه اسم شوبش , الا انه خزلني , واستمر وغنى يا فؤادي مؤكدا من جديد بعد ثوان معدودة ان فؤادي هو ابو سكرة , كي يصيبني بالشلل وانا جالس في مكاني , ثم راح يقتطف من كل اغنية كلمة كتحابيش للست سكرة وامها وجارتها وكل من له صلة بها مارا بهم فردا فردا , يتبعه تصفيق حاد مع كل اسم يذكره , اما نحن فحتسمع حتسمع كما قالها في الاغنية..
استسمحت السائق ان امسك بالالبوم , كى اعرف هل حصل ذلك الجزمجي , وهي مهنته على ترخيص , وهل مر ذلك الالبوم وغيره على الرقابة , او اى هيئة تقرر صلاحيته للنشر من عدمه , ففوجئت انه صادر عن شركة انتاج فني , وعليه رقم الترخيص وغيره , فما كان مني الا ان نظرت الى كتابي في ذهول وحسرة على حال المثقفين في بلد منوط بها حمايتهم ,واستيعابهم , بدلا من ان ينجروا الى هذا الانحراف الفني.
الغريب ان المسؤولين يتساءلون دائما عن سبب ازمتنا الثقافية , وعن تراجع اعداد مبيعات الكتب , والمؤلفات العلمية والثقافية , وعن تدني المستوى الثقافي والفكري للشباب , وهم من يصنعون ذلك , ويتحملون الجزء الاكبر مما يحدث , فالكتاب منهم من يبيع كتبه على الارصفة , بعد رجوعها من التوزيع , ومنهم من لا يقدر حتى على الوصول الى مراكز النشر الحكومية , التي اصبحت مرتعا لكل من له واسطة , ومن الكتاب من يعرض جسده للبيع لانه لا يجد قوت يومه , ومنهم من يأسف على ما قدمه للثقافة خلال حياته, بعدما يصل به الحال الى عدم القدرة على علاج ابنه المريض , وهو من الف العشرات من المجلدات الموضوعة على ارفف المكتبات الكبرى في كل مكان وكلها وقائع حقيقية حدثت بالفعل وليست مجرد تشبيهات.
وبالرغم من ان انتاجهم لا يقارن بأي شكل من الاشكال بمستوى سكارى او فؤادي , الا ان معارفهم ليست جيدة , فلن تكون لابداعاتهم خاطر لدى السادة المسؤولين , ولا يمكن بأى حال من الاحوال ان يمر البوم مثل هذا الا اذا كانت عصا سحرية قد تدخلت , فحولت مصيره من سلة المهملات الى ارفف المحلات , ممهورا بارقام تدل على اجازته وصلاحيته , وتلك العصي استطاعت ان تفتح الادراج وربما الجيوب لتضع فيها ما يصلح عيوبها ويجعلها صالة للاستهلاك الآدمي في كل وقت من اليوم , ولا عزاء لا للادب ولا حتى قلة الادب , لانه بكل المقاييس ما يحدث اكبر من ان يوصف بقلة ادب.
الثلاثاء 1428-12-23هـ الموافق 2008-01-01م العدد 12618 السنة الأربعون
بدأ السائق الرحلة الى القاهرة , حيث مكان الأمسية التي كنت اقصدها , مستفتحا بكلام الله عز وجل , طالبا منا الدعاء كي تتم الرحلة على خير , تبسمت مؤيدا اياه , وما ان انتهيت من قراءة دعاء الركوب مع رفاق الرحلة , وبدأت اقرأ في احد الكتب التي احملها معي , حتى اخرج الرجل البوما لاحد المطربين , ظنا منه انه سيكون وسيلة تسلية ممتعة , طيلة الرحلة , وحقيقة كنت اظن ان بشرا مثلنا له يدان ورجلان وصوت سيغني , الا انني فوجئت بنوع اقل ما يمكن ان نصنفه بالرديء, والبهائمي.
وبالرغم من انني احب الفن الشعبي الذي يجسد الحياة الطبيعية للناس , يصف آلامهم وافراحهم بطريقة بسيطة غير معقدة , ممتلئة بالمعاني والتعبيرات الجميلة المذهلة , ويتكلم عن مشاكلنا الحياتية , ويدعو الى العودة لقيم الصداقة والوفاء والالفة , ونادرا ما نجده يتكلم عن الحب والهيام بصوره اليومية المتكررة , كما اعتدنا ان نسمع مؤخرا, فلا عدنا نفرق بين الاغنية والاخرى , ولا بين المطرب والآخر , وكثير مما انتج من الفن الشعبي في السبعينيات والثمانينيات كان به العديد من الامثلة الجيدة , التي تستحق الاشادة , الا انه في حالتي هذه يجب علي ان اذهب الى مقابر السيدة فور وصولي كي اقرأ الفاتحة لمن رحلوا من فرسان الطرب الشعبي , وكتابه.
فمطربنا الجديد صنع ما لم تصنعه ام كلثوم في زمانها , حيث جمع اكثر من سبع اغان للست وعبد الحليم وعبد الوهاب في اغنية واحدة باسلوب يدعو للحسرة والغيظ , ناهيك عن نهيقه الذى هو كفيل بأن يجعلك تطلب طبيب انف واذن وحنجرة ثم الذهاب الى مصحة للعلاج من ذلك التلوث السمعي الذى اصابك بكل تأكيد..
بدأ الاغنية بجزء من اغنية لسيدة الغناء العربي ام كلثوم هل رأى الحب سكارى, وكنت اظنها كما نعرفها , وسمعناها دائما , الا انني وجدت ان سكارى هنا هي سكرة بنت الست ام السيد , جارة المطرب الذى حرف الاغنية كي تناسبها ,حتى يجعل سيرتها على كل لسان , فتضطر امها ان تزوجها له غصبا عنها , ثم انتظر هنيهة كي يبدأ مجددا بيا فؤادي وكنت على يقين بأن الرجل سيبدأ في الغناء الحقيقي وان ما حدث كان مجرد مداعبة , من مقدمه او ما يطلقون عليه اسم شوبش , الا انه خزلني , واستمر وغنى يا فؤادي مؤكدا من جديد بعد ثوان معدودة ان فؤادي هو ابو سكرة , كي يصيبني بالشلل وانا جالس في مكاني , ثم راح يقتطف من كل اغنية كلمة كتحابيش للست سكرة وامها وجارتها وكل من له صلة بها مارا بهم فردا فردا , يتبعه تصفيق حاد مع كل اسم يذكره , اما نحن فحتسمع حتسمع كما قالها في الاغنية..
استسمحت السائق ان امسك بالالبوم , كى اعرف هل حصل ذلك الجزمجي , وهي مهنته على ترخيص , وهل مر ذلك الالبوم وغيره على الرقابة , او اى هيئة تقرر صلاحيته للنشر من عدمه , ففوجئت انه صادر عن شركة انتاج فني , وعليه رقم الترخيص وغيره , فما كان مني الا ان نظرت الى كتابي في ذهول وحسرة على حال المثقفين في بلد منوط بها حمايتهم ,واستيعابهم , بدلا من ان ينجروا الى هذا الانحراف الفني.
الغريب ان المسؤولين يتساءلون دائما عن سبب ازمتنا الثقافية , وعن تراجع اعداد مبيعات الكتب , والمؤلفات العلمية والثقافية , وعن تدني المستوى الثقافي والفكري للشباب , وهم من يصنعون ذلك , ويتحملون الجزء الاكبر مما يحدث , فالكتاب منهم من يبيع كتبه على الارصفة , بعد رجوعها من التوزيع , ومنهم من لا يقدر حتى على الوصول الى مراكز النشر الحكومية , التي اصبحت مرتعا لكل من له واسطة , ومن الكتاب من يعرض جسده للبيع لانه لا يجد قوت يومه , ومنهم من يأسف على ما قدمه للثقافة خلال حياته, بعدما يصل به الحال الى عدم القدرة على علاج ابنه المريض , وهو من الف العشرات من المجلدات الموضوعة على ارفف المكتبات الكبرى في كل مكان وكلها وقائع حقيقية حدثت بالفعل وليست مجرد تشبيهات.
وبالرغم من ان انتاجهم لا يقارن بأي شكل من الاشكال بمستوى سكارى او فؤادي , الا ان معارفهم ليست جيدة , فلن تكون لابداعاتهم خاطر لدى السادة المسؤولين , ولا يمكن بأى حال من الاحوال ان يمر البوم مثل هذا الا اذا كانت عصا سحرية قد تدخلت , فحولت مصيره من سلة المهملات الى ارفف المحلات , ممهورا بارقام تدل على اجازته وصلاحيته , وتلك العصي استطاعت ان تفتح الادراج وربما الجيوب لتضع فيها ما يصلح عيوبها ويجعلها صالة للاستهلاك الآدمي في كل وقت من اليوم , ولا عزاء لا للادب ولا حتى قلة الادب , لانه بكل المقاييس ما يحدث اكبر من ان يوصف بقلة ادب.
الثلاثاء 1428-12-23هـ الموافق 2008-01-01م العدد 12618 السنة الأربعون

3 comments:
دايما مبدع يا عماد
اتمنى لك التوفيق الدائم
عماد
اتمنى تزور مدونتي بعد التجديد
مدونة ممتازة
ارحب بك في مدونتي
اول مدونة ترفيهية عربية ودردشة واقواهم على الاطلاق
نجوم اف ام Nogoom FM 100.6
ملحوظه هامة الكلام يضهر خارج قالب مدونتك عندي
حاول تعديل القالب
إرسال تعليق